مقال رأي

تطورات المشهد السوداني على مختلف الأصعدة

يعيش السودان على وقع مشهد متحرك ومتداخل في مختلف المستويات؛ عسكريًا هناك تغيّرات ميدانية وتبدّل في خطوط السيطرة، وسياسيًا يستمر شدّ الحبل حول إدارة المرحلة المقبلة، وإنسانيًا يبقى النزوح والضغط على الخدمات من أكبر الملفات المفتوحة.

وتشير المعطيات المتداولة إلى استمرار التوتر العسكري وتغيّر مواقع النفوذ، مع حديث عن تحركات للقوات ومحاولات لضبط الوضع على الأرض.. ما يعزز فرضية أن المعركة لم تعد فقط على الجبهات، بل أيضًا على تثبيت السيطرة ومنع أي فراغ أمني.

الوضع السياسي مرتبط بمدى قدرة الأطراف على تحويل التفوق الميداني إلى ترتيبات حكم أو تفاوض، في وقت تبقى فيه الانقسامات داخل المعسكرات المختلفة عاملًا مؤثرًا.

والأهم أن أي اختراق في السودان مرهون بتوازنات القوى بين الجيش، والقوى المتحالفة معه، والقوى المدنية، وأي تسوية محتملة دون نسيان الفاعل الدولي.

أما الملف الإنساني فمتأثر بشدة، حيث أن استمرار القتال ينعكس مباشرة على النزوح، والرعاية الصحية، والتعليم، وتوفر الخدمات الأساسية.

وخلاصة المشهد هناك ثلاث ساحات متداخلة:

  • حرب على الأرض.
  • ضغط سياسي على طاولة الترتيبات.
  • كارثة إنسانية تتوسع مع كل جولة تصعيد.

التطورات عسكريًا

نشهد تصاعدًا في الحرب بالدرونز والقصف، مع تحذيرات أممية من هجوم وشيك على الأبيض في شمال كردفان، بعد حشد كبير لقوات الدعم السريع وحلفائها حول المدينة.

هذا وتؤكد التقارير الأخيرة أن الغارات بالطائرات المسيّرة أصبحت عاملًا أساسيًا في الصراع، كونها تقتل المدنيين وتضر خطوط الإمداد وتدفع مزيدًا من الناس للنزوح.

الحرب في السودان لم تعد فقط مواجهة جبهات تقليدية، بل صارت حرب استنزاف تضرب المدن والطرق والبنى التحتية أيضًا.

نؤكد هنا أن مدينة الأبيض ليست مجرد مدينة على الخريطة؛ بل هي عقدة استراتيجية يمكن أن تغيّر ميزان القوى في كردفان وما حولها.

التطورات سياسيًا

توجد محاولات لإبقاء مسار تفاوضي أو “مسار سياسي”، لكن البيانات الدولية لا تزال تركز على ضرورة هدنة إنسانية تفضي إلى وقف دائم لإطلاق النار.

ونشير أن أي تسوية تبدو مرتبطة بما سيحدث ميدانيًا أولًا، لأن الأطراف ما زالت تراهن على تحسين مواقعها قبل أي تنازل سياسي.

كما أن استمرار الحرب يجعل المشهد السياسي غير ثابت، فالسلطة على الأرض ما تزال موزعة بين الجيش وقوات الدعم السريع، مع صعوبة إنتاج صيغة حكم تحظى بقبول واسع.

تطورات الوضع إنسانيًا

على هذا الصعيد، يعيش السودان أزمة متصاعدة تزداد تدهورًا، في ظل تقارير أممية تؤكد نزوح أكثر من 13 مليون سوداني داخليًا، وعن أزمة جوع وخدمات صحية متفاقمة، مع شح شديد في وصول المساعدات.

وذكرت تقارير أن الضربات الجوية والاشتباكات تدفع عائلات جديدة للفرار، وأن بعض المرافق الصحية القليلة أصلًا تعمل تحت ضغط كبير.

بمعنى أبسط: كل تصعيد عسكري يترجم مباشرة إلى نزوح، وانقطاع علاج، نقص غذاء، وتراجع في قدرة الناس على البقاء في أماكنهم.

والتهديد الأكبر في المشهد الحالي يبدو في المدن والممرات الحيوية، لا في أطراف الصراع فقط، لأن استهداف الطرق والجسور ومناطق الإمداد يضاعف أثر الحرب على المدنيين.

وعليه إذا توسع القتال في الأبيض -وهو متوقع- فغالبًا سنرى موجة نزوح جديدة وضغطًا إضافيًا على الإغاثة والطبابة والأسواق.

خريطة النفوذ والسيطرة

خريطة السيطرة فيه ما تزال منقسمة بين الجيش السوداني وقوات الدعم السريع، مع تغيّر مستمر في خطوط التماس، خصوصًا في الخرطوم الكبرى، كردفان، ودارفور.

الجيش يحتفظ بمراكز الحكم الرسمية وبعض العقد الاستراتيجية، في حين تسيطر قوات الدعم السريع على مساحات واسعة في الغرب وأجزاء من الوسط بحسب تطور الجبهات.

تجدر الإشارة أن الخريطة ليست ثابتة؛ وهي عرضة لأن تتبدل مع الهجمات بالطائرات المسيّرة، والتحركات حول المدن الكبرى، ومحاولات كل طرف توسيع نفوذه قبل أي مسار تفاوضي.

مناطق الثقل الاستراتيجي الأهم حاليًا هي الخرطوم والجزيرة وكردفان ودارفور، لأن السيطرة فيها لا تعني فقط وجودًا عسكريًا، بل تعني أيضًا التحكم في الطرق والإمداد والموارد والربط بين الأقاليم.

لذلك السبب، أي تقدم في مدينة مثل الأبيض أو أي خلل في محاور كردفان يمكن أن ينعكس على كامل توازن الحرب.

الجيش السوداني يسيطر ويتحكم بمواقع الدولة المركزية وبعض الممرات الاستراتيجية.. أما الدعم السريع فيتمدد ويثبت حضوره في مناطق واسعة من الغرب وأماكن متحركة بحسب الضغط العسكري.

المشهد الحالي لا يوحي بخريطة “مستقرة”، بل بخريطة نزاع مفتوح؛ أي أن أي قراءة لليوم قد تتغير بعد أيام أو حتى ساعات إذا تصاعدت الضربات أو تبدلت التحالفات.

لذلك، يجب التركيز – لفهم أدق وأشمل – على من يملك الأفضلية في كل محور في السودان وليس من يسيطر نهائيًا.. ما يسمح بوضع سيناريوهات المشهد القادمة.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى